محمد محمد أبو ليلة

46

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

القرائن المختلفة ، والتي يرجع تاريخها بحسب موضوعاتها ، إلى الفترة الأخيرة من العهد المكي ، والسنوات الأولى من العهد المدني " . جاء ذكر " القرءان " مقترنا بأداة التعريف وهو في هذه المواضع كلها يحتوى على معنى مركب وهذا المعنى المركب بدوره يشتمل على عدة عناصر أنزلها اللّه على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فالآية ( 106 ) من سورة الإسراء « 1 » ، تقضى بنزول القرآن منجما ليتمكن الناس من حفظه وتدبره ؛ وآية الفرقان ( 32 ) « 2 » تؤكد المعنى نفسه ؛ فالقرآن نزل منجما لتثبيت قلب محمد بتجدد النزول ، ودوام الوصول أيضا ، فإن نزول القرآن منجما يساعد على تثبيت القرآن في قلبه صلى اللّه عليه وسلم حفظا وفقها وعملا ومنهجا . ويشير ويلش إلى قوله تعالى : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ( الإسراء : 82 ) ، ثم يستنتج منها خطأ أن القرآن الذي عند اللّه ، هو غير القرآن الذي عند محمد ، والذي ادعى محمد أنه نزل عليه ؛ وهذا جهل بأسرار اللغة ، ومرامى العبارات ، وجهل بالقرائن المصاحبة للتعبير القرآني ؛ وذلك لأن حرف الجر " من " الذي تعلق به الكاتب ، ووقع في الخطأ بسببه ، يصح أن يكون لابتداء الغاية ؛ كما يصح أن يكون لبيان الجنس ، كما قاله الأخفش وأبو البقاء العكبري ، وإن كان أبو حيان يذهب في تفسير الآية إلى أن " من " التي لبيان الجنس ، لا تتقدم على المبهم الذي تبينه ، وإنما تكون متأخرة عنه « 3 » . وأنكر البعض أن تكون " من " في الآية السابقة للتبعيض ، ولكن ليس للسبب الذي تخيله المستشرق ، وإنما لسبب آخر ، وهو أن هذا التعبير " من القرءان " قد يوهم بأن البعض الآخر من القرآن لا شفاء فيه . وقد أثار الملاحدة بالفعل مثل هذا الاعتراض على الآية ، حيث قالوا : أليس يوجب ذلك أن بعض القرآن شفاء ورحمة ، دون البعض الآخر ؟ " وقد ردّ عليهم القاضي عبد الجبار في ذلك بقوله : " إن اللّه ينزل من آيات القرآن

--> ( 1 ) وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا ( 2 ) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ( 3 ) تنزيه القرآن عن المطاعن ص 232 .